يرى الكاتب ماتياس كوبينسكي في مستهل تحليله أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تدخل مرحلة جديدة تختلف عن العقود السابقة، بعدما بدأت واشنطن تفصل بين التحالف الأمني والدعم الاقتصادي. ويوضح أن إسرائيل اعتادت الاعتماد على الحماية الأمريكية في الملفات التجارية، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت تراجع هذه المظلة مع اتساع الضغوط الاقتصادية والرسوم الجمركية على الصادرات الإسرائيلية.
وأشار موقع ليفانت إنتل إلى تصاعد النقاش داخل الأوساط الإسرائيلية بشأن مستقبل العلاقات الاقتصادية مع واشنطن، خاصة بعد توسع التحقيقات الأمريكية المتعلقة بالعمالة القسرية وسلاسل التوريد.
تحقيقات أمريكية تربك الاقتصاد الإسرائيلي
بدأت الأزمة الجديدة عندما أطلق مكتب الممثل التجاري الأمريكي تحقيقات بموجب المادة 301 ضد عشرات الاقتصادات، من بينها إسرائيل، بدعوى التقصير في منع دخول منتجات مرتبطة بالعمل القسري. ورغم أن التصعيد العسكري مع إيران خطف الاهتمام الإعلامي، فإن التداعيات الاقتصادية للتحقيق بدت أعمق مما توقعت تل أبيب.
وعقدت السلطات الأمريكية جلسات استماع في أواخر أبريل، ما فتح الباب أمام احتمال فرض رسوم إضافية أو الدخول في مفاوضات مباشرة مع الحكومة الإسرائيلية. وجاء ذلك بينما يعاني المصدّرون الإسرائيليون أصلًا من رسوم جمركية فرضتها إدارة دونالد ترامب بنسبة وصلت إلى 15 بالمئة على معظم السلع غير الدوائية وغير المرتبطة بأشباه الموصلات.
وتضررت قطاعات حيوية مثل الصناعات البلاستيكية والأجهزة الطبية، بعدما فقدت إسرائيل جزءًا من الامتيازات التي حصلت عليها لعقود بموجب اتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 1985 مع الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 70 بالمئة من الصادرات الإسرائيلية إلى السوق الأمريكية تواجه حاليًا هذه الرسوم المرتفعة، ما يزيد الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني أصلًا من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الحرب.
تحالف أمني قوي وخلاف تجاري متصاعد
يكشف التقرير عن مفارقة واضحة في العلاقة بين الجانبين. ففي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن دعم إسرائيل عسكريًا، خاصة في ما يتعلق ببرنامج مقاتلات F-35 والتنسيق الأمني ضد إيران، تتعامل الإدارة الأمريكية مع الملف التجاري بمنطق مختلف يقوم على المصالح الاقتصادية المباشرة.
وحاولت حكومة بنيامين نتنياهو تخفيف التوتر عبر توقيع اتفاقية للمنتجات الزراعية في نهاية عام 2025 ألغت بموجبها الرسوم على مئات السلع الغذائية الأمريكية. كما خففت القيود المفروضة على واردات القمح الأمريكي وخفضت الرسوم على الموردين الأجانب.
لكن هذه التنازلات لم تحقق النتيجة التي أرادتها تل أبيب. فبحسب تقارير إسرائيلية، رفض ترامب تقديم التزام واضح بإلغاء الرسوم الجمركية، وذكّر المسؤولين الإسرائيليين بحجم المساعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن سنويًا لإسرائيل.
وتدرك دوائر اقتصادية إسرائيلية اليوم أن العودة إلى الامتيازات التجارية القديمة تبدو بعيدة، خاصة مع تغير أولويات السياسة الأمريكية التي باتت تنظر إلى العلاقات التجارية بمنظار الربح والخسارة، حتى مع أقرب الحلفاء.
إسرائيل تبحث عن بدائل اقتصادية
دفع هذا الواقع الحكومة الإسرائيلية إلى البحث عن مسارين متوازيين. يتمثل الأول في زيادة مشتريات القمح والأسلحة الأمريكية بهدف تقديم مكاسب اقتصادية يمكن أن يستثمرها ترامب سياسيًا داخل الولايات المتحدة.
أما المسار الثاني فيقوم على تنويع الأسواق والتوجه بصورة أكبر نحو أوروبا وآسيا لتعويض التراجع في القدرة التنافسية داخل السوق الأمريكية. إلا أن هذا الخيار يواجه عقبات مع تصاعد الانتقادات الأوروبية لإسرائيل وعودة النقاش حول مراجعة اتفاقيات الشراكة الأوروبية الإسرائيلية.
ويرى التقرير أن السوق الأمريكية ما تزال تملك ثقلًا اقتصاديًا يصعب استبداله، سواء من حيث القوة الشرائية أو حجم الاستثمارات. لذلك تترقب تل أبيب القرار النهائي المتوقع صدوره لاحقًا هذا العام بشأن تحقيقات العمل القسري.
وفي حال اكتفت واشنطن بإجراءات رقابية ومتابعة تنظيمية، قد تتمكن إسرائيل من احتواء الأزمة سياسيًا واقتصاديًا. أما إذا اتجهت الإدارة الأمريكية نحو رفع الرسوم الجمركية بصورة أكبر، فقد تدخل العلاقات التجارية بين الطرفين مرحلة أكثر توترًا وغموضًا.
ويخلص الكاتب إلى أن التحالف الأمني بين واشنطن وتل أبيب ما يزال متماسكًا، لكن العلاقات الاقتصادية تتحول تدريجيًا إلى علاقة مشروطة تخضع لحسابات المصالح الأمريكية أولًا، وهو تحول قد يغيّر شكل الشراكة التاريخية بين الجانبين خلال السنوات المقبلة.
https://levantintel.net/analysis/680/washington-rewrites-the-commercial-rules-for-israel

